bouchrayan المُدونة الشخصية

الاثنين، 23 فبراير، 2015

سَجين: قصة قصيرة



..الشعب يريد، الشعب يريد
!الفوضى تَعم الشوارع، كُلُّ ذي حاجةٍ كتبها على ورقةٍ أو لافتةٍ و خرج يُلَوِّحُ بها صائحا: الشعب يريد

!تافهون، لم يجدوا عملا مفيدا يشغل وقتهم، فخرجوا ليعيقوا أعمال الآخرين
هذا ما كان يدور في ذهنه وهو عالق في سيارة الأجرة، حركةُ السيرِ بطيئة. يُقالُ أن المتظاهرين يملئون الشوارع. وأن عشرات الآلاف منهم يتمركزون وسط المدينة

.العدد مبالغٌ فيه، الإعلام الخارجي يعمل على تضخيم الأحداث لغايةٍ في نفس يعقوب

..عذرا سيدي.. عليك النزول..الشارع مغلق كما ترى-

رمى السائق بنظرات حادة، هذا ما كان يَنْقصه. كيف سيصل لوجهته الآن؟ خرج من السيارة وبعنفٍ أغلقَ الباب. معلناً سَخَطه على السائق، وعلى هؤلاء المتظاهرين، على كل الأحداث التي تتحالف لتُنغص عليه أجمل أيام حياته، فلم يَعُد يَفصله عن حفل زفافه سوى أسبوع واحد
..لا بد أنها ملت الإنتظار، وعدها بالذهاب لرؤيتها فور خروجه من العمل. سلك زقاقا فرعيا قد يُقصر عليه المسافة لمنزلها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة

لا يستطيع منع نفسه من الابتسام إن مرت صورتها بخاطره، بوجهها الطفولي، وبريق السعادة الناضح دائما من عينيها، لكم يحبها، لولاها، لما حقق شيئا من أحلامه، وكانت هي، أولَ حلمِ تحقق
.لا يدري كيف آتته الجرأة يومها على مصارحتها بمشاعره، كانت المفاجأة كبيرة حين أخبرته أنها تبادله نفس الشعور

تذكر تَخَوُفه حين طلبت منه مقابلة والدها. والكل يعلم من يكون والدها. وهو الشاب العاطل الذي لا يملك غير شهادة جامعية و طموح كبير. لكنها أكدت له أن سعادتها هي كل هَمِّ والدها. وفعلا وافق الوالد على الخطبة. بل و أهداهُ وظيفةً لم تكن لتخطر عليه حتى في أكثر أحلامه جموحا. كما وعده بأنه سيحاول استخدام نفوذه لإطلاق صراح والده، أسير الرأي، القابع في السجون منذ سنوات
بادئ الأمر رَفَضَ هذه العطايا، مُبررا ذلك بكَونه عصامي، يَود شَق طريقه دون مساعدة من أحد، وهي الأخرى رفضت، فهي تُناقض والدها في كل شيء، تجدها أقرب للطبقة الكادحة منها للطبقة البرجوازية التي تنتمي إليها. لكنهما رَضَخا في النهاية للأمر الواقع، حين وجدا أنه السبيل الوحيد الذي سيجمعهما تحت سقف بيت واحد
كل أحلامه تحققت، ما عدا حلما واحدا، سَرَّهُ إليها مرةً وهما يُقَلبانِ مجموعةَ صورٍ قديمةٍ لوالده. كان يتمنى أن يكون معه ليلة زفافه، :ابتسمت يومها وهي تضع إحدى الصور في حقيبتها وتقول

 ..ليكن أملك في الله كبيرا-
حين سألها لم تريد الاحتفاظ بالصورة أجابت : من يدري..لربما أفتح حسابا على" الفيسبوك'' لمساندة والدك، فتخرج المظاهرات مطالبة بالإفراج عنه، وينقلب الأمر إلى ثورة في كل أرجاء البلد

:داعبها قائل
..أجل..ليَزُج والدك بي وبك في السجن- 
:فردت ضاحكة
!لا تقلق..سأرجوه ليضعنا في زنزانة واحدة

أخرجته من أفكاره هَرْولةُ شابين عبر الزقاق، صَرَخا وهما يَتَجاوزانه : انتبه! القناصة في كل مكان..ويصوبون بنادقهم على أَيّ كان


 زم شفتيه بامتعاض و سخرية، قناصة! هناك من يصدق كل ما يسمع! ثم تذكر صديقه فاجتاحه القلق، اتصل به أمس طالبا منه الخروج معه للمظاهرة، وحين صارحه بأنه يرى هذه المظاهرات مضيعة للوقت و تخريبا للبلد، وجه إليه صديقه كلاما جارحا، إلا أنه يظل صديق العمر، ولا يريد لأي مكروه أن يحدث له
..لكن، ألم يلمس كلامه، و إن كان مؤلما.. الحقيقة

ألم يتغير تغيرا كليا بعد توظيفه و خطوبته، عادت كلمات صديقه الغاضبة تُدوي في أذنيه: لقد غيرت عباءتك..أصبحت كلبا وفيا من كلابهم يا صديقي
!أقصد يا من كنت صديقي

حرك رأسه محاولا نفض هذه الأفكار عن ذهنه، لا شيء من هذا يَهُم، هي فقط من تَهمه، هي الحبيبة ،وهي الوطن، هي أمله الوحيد بهذه الحياة، وجودها بجانبه يغنيه عن كل شيء


عادت الابتسامة ترتسم على وجهه، لكنها سرعان ما أخذت تخبو وهو يَصل لنهاية الزقاق، ما هذا الذي يراه؟ تسارعت ضربات قلبه، الدم يتجمد في عروقه، جثث..جثث في كل مكان

!صرخات، آهات ألم، أخذ يَتلفتُ حوله في ذهول، ما الذي حدث هنا
هناك من يناديه، اسمه يتصاعد بوهنٍ من فم أحدهم،  أَسرع الخُطى مُتجها لمصدر الصوت. ووجدها، وجهٌ طفولي، وعَينين ماتتْ فيهما الفرحة. حَضنها و قبضةٌ من نار تعتصر قلبه

..حاولتْ الابتسام وهي تشير للافتة بجانبها
..الشعب..يريد..الحرية لسجناء الرأي
.وصورة والده،تعلو اللافتة


 --- 
 تمت في : 06-2012   
---
حقوق الصورة

هناك تعليق واحد :

  1. فكرة القصة رائعة بشرى وتوالي الأحداث جعلنى متشوقة لمعرفة النهاية
    هناك بعض الألفاظ كان يمكن استبدالها بأخرى أقوي في المعني
    لكن في المجمل تمتلكين أسلوب قصصي رائع
    اتمنى ان تستمرى في الكتابة :)

    ردحذف

يتم التشغيل بواسطة Blogger.